عودة امصاحبة نابلس

عودة لمصاحبة نابلس

أبوخالد نازك ضمرة

مكتوف اليدين في رام الله كنت يومها، احسّ بالصغر والصغار، يحدّ من انطلاقي ضيق الأفق، زائراً لفلسطين حائراً تتكدس أفكاري فوق بعضها، أبني منها علالي وابراجا من امل وحب، فتتشكل في رأسي اهرامات، طالما تمنيت صمودها، وفجأة كنت أراها تنهار في ناظري، وكأن شيئا لم يكن، لكن تجربة الحياة في نابلس احيت الأمل الضئيل في نفسي، مدينة نابلس حقيقة تاريخية ضاربة جذورها عبر التاريخ، نداء كنت أسمعه من بعيد لكنه اليوم قوي ينبه كل مشاعري، يا أيها الإنسان الحي او تحت الأرض، نابلس تود أن تستضيفك لتعيد زرع الأمل فيك، وتعيد فيك الإنسان القوي الكامل الأمين، خيالات نابلس وجنيات التاريخ القديم العريق والجديد يدعينك لجولة حب، ولجرعة من رحيق الجميلة نابلس، ولو عبر مشوار قصير، ترافقها في أي موقع، فماذا أنت فاعل للقاء ضروري لجميلة يزينها ثدياها الشامخان عيبال وجرزيم، تشع بالحياة والنماء والنبض القوي في كل حركة هناك.

أعادني (صدقي) هناك، فزرتك مجددا ايتها الجميلة، ولشدة استغراب هذا العجوز، استقبلته الصبية القوية نابلس بترحاب ولهفة، فما أجمل أن يحظى شيخ بحب من صبية لا تشيب، بل لاحظت ان الجميلة نابلس تزداد بهاء وجاذبية بمرور السنين والعقود، وحتى القرون، شكرا لذلك الإنسان الذي أصبح صديقا عزيزا لي بعد تلك الرحلة، كيف لا وقدمني للفلسطينية الجميلة نابلس، غمرني بحبه وكرمه، ونابلس كانت تنتظر وصولي لها للسلام على روحها الشماء، لم تكلفني زيارتي لحبيبتي الجديدة نابلس دولاراً واحداً، حملني الصادق بسيارته مرسيدس الجميلة، ودعاني لطعام نابلسي في مطعم قرب جامعة النجاح، فتذوقت لمسات من أصابع العروس نابلس، وخلال جولاتنا في الكثير من شرايينها اكتشفنا أعماق مؤهلاتها التاريخية، أشبعتنا نابلس حباً وطعاماً ومتعة، حتى أننا أفقنا من الدوخة حين تذوقنا كنافتها، ولم يتوقف كرم الحبيبة نابلس هنا، بل أصرّت على أن نداعب تفاح خدودها وكرز شفاهها، ما أجمل تلك النكهات من عروس فلسطينية مهيأة لأحبتها، أصابني طيش وعروسنا تتجلى امام ناظري، وتلامسني حتى تراقص قلبي وتأسر عينيّ، ولشدة شوقي والحرارة للقاء الحبيبة، نسيت الشيخوخة وعصاي التي اعتدت التوكؤ عليها، لم تسعفني الأناة والاحتكام إلى التثاقل والتعقل، فوجدتني أتراقص عبر دروبها بهمة وقوياً مع متابعات حركات عينيّ، وكلما تأملت جمالا أو موقعاً جاذباً ازددت لهفة لتلمسها، ولتأمل المزيد من جسدها المقدس، فاسم صديقي صدقي وهو ابن صادق وبالوفاء بوعده كان صادقاً، وتأكدت بعد مرافقته في نابلس أنّ لاسم الإنسان أثر على تشكل شخصيته وطباعه وسلوكياته، لهذا أصبح الصدق عادة يسوس بها حياته صديقي صدقي.

يا للمفاجآت التي لم أحلم بها من قبل، فاكتشاف حبيبتي وملامحها وتفاصيل جسدها أذاب كل الخيبات السابقات في نفسي، ففرضت نابلس وجودها وقوامها وثقافتها على خزائن عقلي وما احتوت، فلم تدخر جهدا حتى عبأتني نابلس عشقاً، إذ كنت كلما شاهدت جمالاً ازددت شوقا وطمعا لتلمس جمال جديد، وأزداد التصاقاً بها وحباً في الوقت نفسه، يا إبنة فلسطين وعمودها القوي، أيتها المعمورة الشامخة، شاهدتك وأنت تقتربين من القمر، ثدياك بارزان نافران في شموخ، فالثدي الأيمن جرزيم والثدي الآخر عيبال تفيضان عسلاً ونورا، والقمر يسطع ليلا فوقهمان فينسحر الأهل والزائرون مثلي، ويغتاظ سارقو أرضنا والمواقع المقدسة فيعبسون، مكروهين منبوذين متنكرين اينما حلوا، نابلس الحلوة ذات الثديين عيبال وجرزيم كيان شريف من جسد فلسطين الطاهرة، نعشقك يا ذات الثديين الشامخين، يتأملان السماء ويقتربان منها، ويعانقان القمر في السر والعلن، ويضرعان إلى الله أن يحفظ عليهما ذلك البهاء والطهارة، وأن لا يدنسهما ضالون مستوطنون معتدون، وأطفال نابلس ورجالها وإن شاخوا، يهيمون بحبهما، حلال لأهل نابلس يتراخون ويتراكضون حولهما، ملتصقين بهما، يرضعون ويشربون ويتمرغون فوقهما وحولهما في أمان واطمئنان، أما الغرباء (ففشرت عيونهم)، وقل موتوا بغيظكم، وليموتوا بحقدهم وجندهم، هم يدركون نهايتهم ومصيرهم، لأن نابلس ستبقى عربية فلسطينية محصنة عزيزة، حتى لو هاجمت ثدييها الحشرات المتطفلة والموبوءة، ستغتسل نابلس وجبلاها جرزيم وعيبال لأحبتها ثانية وتتطهر، وسيفوح عطرها وعرقها الجاذب للفلسطيني المقيم والزائر، القريب والبعيد، وستظل كنافتها صنع يديها فريدة، وسجلها التاريخي، حلاوة لكل فم يعرف نابلس أو يزورها، وسيتوق للعودة لمداعبتها حتى لو كان في أبعد القارات، أيتها المدينة الكنعانية الأثرية، ما زالت آثار ابنك كنعان صامدة على ترابك، وكرس العرب تلك الآثار، تسرب إلى أذني نداءات نخوة، يرافقها زفرات حقد على أعدائها ونقمة قائلين، نابلس مصرّة على المحافظة على شخصيتها ومغريات طلعتها التي تشغل بال أهلها الفلسطينيين.

عمان في 28/3/2014

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـملتقى فلسطين الثقافي © 2018