ابراهيم ابو هشهش يقدم الشاعر طاهر رياض في رام الله

ابراهيم ابو هشهش يقدم الشاعر طاهر رياض في رام الله

استضاف متحف محمود درويش الشاعر طاهر الرياض مساء يوم 22/5/2014 في حوار اداره الدكتور ابراهيم ابو هشهش،عضو مجلس ادارة ملتقى فلسطين الثقافي ومنسق جائزة احسان عباس للابداع والثقافة،وقدمه بقراءة نقدية فيما يلي نصها
هنا يجلس اللذان يجلسان دائما هنا

ليس سهلا عليّ أن أتحدث في هذه العجالة عن علاقة استمرت بدون انقطاع منذ ثلاثةٍ وثلاثين عاما ربطتني بصديق عمري وتوأم روحي طاهر رياض ،وأتاحت لي قربا شديدا من طاهر الإنسان والشاعر، ورأيت كيف يتحول شعر رأسه ولحيته إلى الرمادي فالأبيض يومًا بعد يوم وليلة بعد ليلة، وكيف يوغل طاهر رياض في الشعر والحياة منذ أول يوم عرفته فيه في نهايات آذار 1981 في جبل اللويبدة بعمان. كنا نلتقي كل مساء حول طاولة لا يجلس إليها سوانا في فندق دوف الذي يمتلكه صديقنا المشترك سامي الطوال بعد انتقال مجلسنا من مكانه الدائم الأول في فندق كناري، وتستمر جلستنا حتى آخر الليل وليس لها موضوع آخر تقريبا سوى الشعر والأدب والتأمل في الحياة . أذكر أنني قلت له ذات مرة إنني لا أقود سيارتي إلى هنا وإنما باتت هي تأتي بي بحكم العادة وما علي سوى إدارة محركها.  في هذه المدة الطويلة لم أزدد إلا قربا من طاهر الصديق و الإنسان ولم يفعل الزمن شيئا سوى أنه جعل سجاياه الإنسانية النادرة تزداد سطوعا وأصالة ولم أزدد إلا إيمانا بالشاعر الذي كان شعره منذ ذلك الوقت نسيجًا وحده لا يشبه أحدًا سواه، وكنت أعجب كيف استطاع طاهر رياض في ذلك الوقت المبكر النجاة من سطوة الصوتين الكبيرين المهيمنين: أدونيس ودرويش  ، وأن يشتق لنفسه هذا السمت الخاص الذي يدل عليه وحده حتى لو قرأت له سطورامعدودة. في ذلك الوقت كان طاهر ما يزال يكتب قصيدة الشطرين ويدافع عنها ، وأزعم أنه لا يزال يكتبها حتى اليوم بطريقة ما، ولكن أي قصيدة، وأي صورة، وأي بذخ جمالي، وأي دهشة تشهق في اللغة والمعنى والإيقاع، صوت فريد ولد قويا يكاد يكون مكتملا دفعة واحدة، كنا نعزو ذلك إلى كونه تلميذا لرشاقة المدرسة الشامية وأناقتها كثافتها الجمالية وسعيها إلى إحداث أثر الموسيقى المحضة بواسطة القول الشعري.

هذا صحيح؛ فطاهر رياض قرأ سعيد عقل ونديم محمد وصلاح لبكي وإلياس أبي شبكة والأخطل الصغير وعمر أبي ريشة وسواهم ، ولكنه قرأ أيضا  قراءة متفحصة كل الشعر العربي والقرآن  والأدب الصوفي وكثيرا من الشعر العالمي المترجم إلى العربية الإنجليزية، بالإضافة إلى كتب الفلسفة وعلم الجمال والنقد الفني ‘ وهضمها بتؤدة لا تخضع لضغط الدراسة الأكاديمية  أو لضغط الوقت، فطاهر يمتلك كل وقته ويضعه في خدمة مشروعه الجمالي الشعري الذي أخلص له إخلاصا نادرا فصار له هذا الصوت المتميز وهذه المكانة التي قد لا يعرف فضلها الكثيرون ولكنها مكانة الجدارة الشعرية والقيمة الفنية الحقيقة التي بدأت تتجاوز بثقة واضحة حبائل الإعلام وتجد مريديها ومعجبيها في لبنان وسوريا و المغرب وليبيا والسودان في وقت كان طاهر الزاهد المترفع عن تسويق نفسه يكاد يكون غير معروف  معرفة حقيقية على مرمى صرخة وئيدة من قصيدته.

إن شعر طاهر رياض دائم التأمل في القيمة الكبرى الخالدة التي شغلت الإنسان منذ القديم وكانت موضوع كل الشعر وكل الفن الرفيعين. وهي تزاوج الإيروس والثاناتوس أو الحب والموت، فكل قصيدة من قصائده  هيبمعنى ما إعادة تشكيل جديدة لهذا الموتيف الخالد وتجلية له في صور شعرية طازجة تعتمد المفارقات المدهشة حد الاستحالة حيث يكون الهواء أعمى والماء عطشا والعصا عرجاء والأصابع معلقةً مثل الثوم في السقف ، والغياب يملأ الجحرات ومسامات الثياب الملقاة فوق السرير، وحيث يكون الإندغام التام في الأنثى انشغالا وجوديا في الذات وتأملها واكتشافها في أقصى درجات وحدتها وعزلتها.

إن طاهر رياض من هذه الزاوية شاعر كينونة بالمعنى الهايدغري، فشعره يقوده حدس يدرك ذاته داخل لحظة زمنية منفلته تندفع بلا هوادة نحو مستقبل يأخذ الذات بدوره  إلى الماضي ويجعلها جزءًا من زمن ليس هو إلا مراكمة لعدم مطبق منتظر.

                        لك يوم أضعته

                        وغد يلهث ركضا

                        ميممًا شطر أمسكِ

 في هذه اللحظة الحادة من حالات الحدود تصعد الأنا محاولة الإمساك بلحظة زمنية مؤقتة لتحولها إلى برهة إنسانية خالدة عبر القبض عليها شعريا. إنه الجسد الذي يعي نفسه ممتلئا بشهوة الحياة في الوقت الذي يدرك فيه إن كل شيء ممتلئ بغيابه. كان ابن خفاجة الشاعر الأندلسي الشهير صاحب قصيدة الجبل من أكثر الشعراء العرب انشغالا بموضوعة الخلود والفناء والوجود والعدم، كان يتوغل هائما في وديان جزيرة شقر شرقي الأندلس حيث ولد وعاش معظم حياته وهو يصيح: يا إبراهيم..تموت!!!فكانت الوديان تردد الصدى: يا إبراهيم ..تموت!!!

ولكن طاهر رياض لم يذهب إلى الوديان ليطلق صرخته المتفجعة  بل أطلقها في شعاب القصيدة وأوديتها فجاءت شعرا يتفجر كالماء الزلال وكالرحيق السلسبيل الذي كان مزاجه دهشة متجددة واقتحاما لآفاق جمالية متطورة باستمرار.

            إن أبرز ما يميّز قصيدة طاهر هي إعادة الطزاجة لمفردات اللغة العربية وسعة المعجم الشعري وجزالة السبك، ومتانة التركيب. والاقتصاد الشديد والقدرة على الحذف وإدراك التوازن المرهف بين الصمت والكلام والانسجام المدهش بين الصورة والإيقاع . إن تناصاته مع النصوص الغائبة سواء كانت من لغة القرآن أوكتب المتصوفة أو الشعر العربي أو المدونة الفلسفية الإنسانية ومقولاتها الكبرى لا تعمل فقط كما هو معتاد على استدعاء النص الغائب وتوظيفه في توسيع دلالة النص الحاضر فتشكل له رديفا جماليا أو تصبح جزءًا من امتداد معناه أو تحديده، بل تجعلك أيضا تعيد النظر في المتناص أو النص الغائب وتتأمله في ضوء جديد يسعى إلى إعادة اكتشاف الوجود وإعادة تعريفه انطلاقا من وعي مأساوي فاجع ممزوج بلذة هيدونيه مسكونة أبدًا بذلك الندب التراجيدي وإحساسه بانفلات الوجود الإنساني وهشاشته وسعيه الحثيث إلى عدم يحدق فينا بدون أن تطرف له عين مثل قنبلة موقوتة تتكتك أمامنا ونحن مشلولون أمامها إلى أن تنفجر في اللحظة التي نكون قد ذهبنا إلى هذا الغياب الذي هو العنصر المهمين على خطاب طاهر الشعري.

            أما الصورة عند طاهر فهي طازجة دائما ومفارقة ومدهشة تتناغم تناغما يكاد يكون تاما مع القرارات الإيقاعية وتدفق الموسيقى الشعرية صعودًا وهبوطا وسرعة وبطئا وصوتا وصمتا محدثة في النهاية أثرها في المتلقي، ولكن ذلك ليس كل شي فالصورة الشعرية عند طاهر ليست ألعابا نارية مدهشة تتشكل في السماء بأشكال وألوان معجبة ولكنها سرعان ما تنطفئ تاركة لا شيء وراءها سوى قليل من دخان يتبدد في سماء معتمة بلا حدود، بل إنها تتضافر مع بقية العناصر الشعرية لتغدو جزءًا غنائيا أو سرديا أو دراميا في بناء كلي هو القصيدة بأكملها، وهو في النهاية ما يحدث في المتلقي ذلك الأثر الكلي ويسحبه إلى عوالمه طاهر رياض الشعرية في حالة تشبه الخدر اللذيذ الذي يلغي الوعي مؤقتا ،  حتى إذا عاد هذا الوعي وثاب إلى نفسه وجد أن من الضروري إعادة القراءة المتأملة التي تريد أن تنجو من سحر التلقي الأولي ولذاذته المدوّخة.

إن طاهر رياض ليس شاعرًا سهلا، بل هو أقرب إلى الغموض، ولكنه غموض ماسي مثلما وصف بودلير شعر ملارميه، ومثلما قال أدونيس فإن كل شعر عظيم يجب أن يكون غامضا كالماس. وهو غموض أساسه عند طاهر كثافة ثقافية مذوّبة في النص الشعري الذي يعيد إنتاجها بطريقة جديدة نوعيا تترك أثرًا يكاد لا يكون ملموسًا إلا عند قارئ مثقف متمرس، مثلما أنه غموض نابع من جدة التجربة وقوتها وابتكارها ، وجزالة اللغة وطزاجة استعمالها ، والقدرة على التصرف في نحوها وصرفها ومعجمها وأصواتها. إلخ إنه شعر الحدس الشعري الثاقب وقوة العارضة الشعرية وبداهة الرؤية وعمق اإحساس بالوجود الإنساني على الأرض.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـملتقى فلسطين الثقافي © 2018